مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )

262

تفسير مقتنيات الدرر

وطالبين لاستدراك مشتهيات طباعهم ومستلذّاتهم بأيّ نحو كان ومن أيّ وجه حصل . ولا شكّ أنّ هذا الميل يستدعي إلى ارتكاب جهالات وضلالات غير متناهية وإذا كان كذلك فالخلق يحتاجون إلى إنسان كامل قويّ النفس مشرق الروح علويّ الملكة بحيث يقوى بكماله نقل هؤلاء الناقصين والجاهلين الفاسدين المفسدين إلى مقام الكمال حتّى لا يقع الهرج والمرج ليأمر بالمعروف وينهى عن المنكرات . ونحن نرى أنّ الناس طبقات : الناقصون وهم الجهلة الفسدة ، والكاملون الَّذين لا يقدرون على تكميل الناقصين ، والأكملون الَّذين يقدرون على تكميل الناقصين فالطبقة الأولى هي عامّة الخلق ، والقسم الثاني بعض الأولياء ، والثالث هم الأنبياء . ولمّا كانت القدرة على نقل الناقصين إلى درجة الكمال متفاوتة ومراتبها مختلفة لا جرم كانت درجة الأنبياء في قوّة النبوّة مختلفة ولهذا السرّ قال صلى اللَّه عليه وآله : علماء امّتي كأنبياء بني إسرائيل . إذا عرفت هذه المقدّمات وظهر لك إعجاز القرآن ثبت لك نبوّته وهذه الاستدلال أي المعجزيّة على نبوّته برهان الإنّ على اصطلاح المنطقيّين ، وهذه البيانات الَّتي نذكرها في تفسير هذه الآية برهان اللَّم وهو أشرف وأعلى فائدة . اعلم أنّ نور العقل يضعف حيث قويت العلائق الحسّيّة والحوادث الجسدانيّة ، ويوجب ذلك الاستغراق حصول العقائد الفاسدة والأخلاق الذميمة في جوهر الروح ، وهذه الأحوال تجري مجرى الأمراض الشديدة للروح والبدن فلا بدّ لها من طبيب حاذق يعالجه بالعلاجات المفيدة وربّما حصلت الصحّة وزال السقم فكان محمّد صلى اللَّه عليه وآله كالطبيب الحاذق والقرآن عبارة عن مجموع الأدوية الَّتي بتركّبها تتعالج القلوب المريضة والأرواح الفاسدة . والطبيب له مع المريض في المعالجة أحوال أربعة : الأولى أن ينهاه عن تناول ما لا ينبغي ويأمره بالاحتراز عن أمور بسببها وقع ذلك المرض وهذا هو الموعظة فإنّه لا معنى للموعظة إلَّا الزجر والمنع عمّا يبعّد الإنسان عن مرضاة اللَّه . والثاني من حال الطبيب الشفاء وهو أن يسقيه أدوية يزيل المرض وأخلاط الفاسدة